وطنا نيوز -اللواء الركن المتقاعد محمود عارف الروسان (أبو عصام)، يرحمه الله
اليوم :
Email: watananews@gmail.com
اللواء الركن المتقاعد محمود عارف الروسان (أبو عصام)، يرحمه الله
التاريخ : 03-02-2019 08:50:02 المشاهدات: 77172

بقلم الأستاذ الدكتور محمود السلمان

 

ربما لم يعرف القائدَ العسكري الكبير محمود باشا الروسان شخصٌ كما عرفته أنا. يعرفه أخوه كأخ، ويعرفه ولده كأب، وربما يعرفه الجار كجار، لكن كل هؤلاء الأعزاء، ربما لم يحصل لهم الفرصة لرؤية الجانب الآخر والمهم في شخصيته الطاهرة، كعسكري قائد. إلا أنني عرفت العم (أبو عصام) كأخ كبير وكعم بحكم المحبة والاحترام، فاعتدت أن أخاطبه كذلك، وكعسكري في الميدان خلال فترة خدمتي في القوات المسلحة؛ "كمكلف خدمة علم" في معسكر كان هو قائده. هناك رأيت الجانب الآخر والمهم من شخصيته، التي من الصعب أن تراها في "الحي" الذي جمعنا. لم يكن أبو عصام جارنا الذي يبعد بيته عن بيتنا أمتاراً، بل كان الجار الذي يلاصق باب بيته بابنا. فكنت أراه صباحاً ومساءً، وفي كل الأوقات؛ لذلك رأيته في كل الأحوال. كان عفيفاً محترماً صادقاً مخلصاً طيباً نقياً متواضعاً، وربما من الصعب أن ترى في هذا الزمن مثله. لذلك بكل وضوح الشمس أقول بأنني لم أر في حياتي مثيلاً له في الأخلاق والتواضع وقوة الشخصية، بيتاً وميداناً.

اعتاد اللواء محمود الروسان على أن يخاطب أبي "بعمي"، ووالدتي "بالخالة"، ولا أذكر أن والدتي "دعت" بعد صلاتها بصوت مسموع لغيرنا بنفس الحرارة التي كانت تدعو بها لولدها الآخر "محمود الروسان". كان أبو عصام المحترم، دائم السؤال لوالدتي "بدكشي خالة" قبل أن "يطلع" لبيته؟ كيف لا أحب هذا الذي اعتبره والديّ ولدهم الحبيب؟ كيف لا أحترم هذا الذي منه تنبع ينابيع التواضع؟؟ كيف لا أعجب بهذا الذي لا يفارق المسجد ولا تراه إلا وهو قادم أو ذاهب إليه للصلاة؟؟

وعندما قسم لي القدر أن ألتحق بالمعسكر الذي كان هو القائد فيه، رأيت ما لم أكن أتوقع رؤيته، رأيت "محمود الروسان" الآخر. هناك نطقت لأول مرة له كلمة "محمود بك" أو "سيدي"، ولهيبته وقوة شخصيته التي رأيتها هناك ولم أرها بالحي لشدة تواضعه، وقدرته على الفصل بين الجيرة والعمل، لم أستطع تحرير لساني من كلمة "سيدي" أو "محمود بك"، الصيغتان اللتان كنت أستخدمهما في المعسكر، إلا بعد سنين طويلة من إنهائي لخدمة العلم. كان أبي -يرحمه الله- يستغرب، وكذلك أخي الأكبر، فقد تحولت كلمة "عمي أبو عصام" التي اعتادا أن يسمعاها مني عند مخاطبته، إلى "محمود بك" أبدية، لكنْ كلاهما كان استغرابه مبرراً؛ ذلك لأنهما لا يعرفان الحرفية الكبيرة للقوات المسلحة الأردنية الباسلة، لذلك لا يدركان قوة وجدية الضبط والربط العسكريين في مكان "محمود باشا الروسان" هو قائده. فكنت أقول لنفسي وأنا هناك: إذا كان الملازم الكبير لا يستطيع مخاطبة "محمود بك" بشكل مباشر، فكيف أستطيع أنا، وأنا "المكلف البسيط"؟ وبقي هذا هو حالي وتأثير هيبة المكان لسنوات طويلة بعد مغادرة الميدان. فتحية حب وإعجاب للجيش العربي الذي يخلق بالنفس النظام والاحترام للتدرج العسكري بطريقة تشعرك وتعرفك بالتاريخ المهني الطويل لهذا الجيش المصطفوي الحبيب، فقوة النظام وهيبة "الرتب" كانت أقوى من القوة الاجتماعية التي جمعتنا أهلاً وجيراناً لعقود طويلة من الزمان. كان "أبو عصام في بيتنا واحداً منا، ولنفسه يصب القهوة في المكان، وكنت في بيته أتصرف كبيت أخي، وأطلب بنفسي من عصام الحبيب "كاسة شاي"، إلا أن كل ذلك ذاب في سراديب قوة شخصية القائد التي تحلى بها القائد محمود عارف الروسان.

ما زلت أتذكر عبارة ملازم لملازم آخر في المعسكر نفسه، محاولاً وصف قوة شخصية هذا القائد العسكري الرائع، بالقول: "محمود بك يستطيع أن يسيّر المعسكر حتى لو كان في البيت"، فكيف ستكون مثله يا فلان؟". كان جواب الآخر "بهذه معك حق".

وكان هذا حال سيرته ولكن بوصف التواضع في الحي الذي عشنا فيه. أتذكر الجار والقريب "أبو وسام البدر" يوماً قال لي: "عمي محمود أستحلفك بالله؛ عمرك بحياتك رأيت شخصاً أكثر تواضعاً من جارك "أبو عصام"؟" فقلت له: "لا. ولكن لماذا تقول ذلك"؟ فقال: "لأنني بحياتي لم أره في لباسه العسكري مع أن كتفيه مليئة بالنجم"، وبحياتي لم أره يتحدث عن نفسه.

لذلك كان أبو عصام، يرحمه الله مثالياً، هناك في المعسكر، حيث يجب أن يكون القائد قائداً بكل ما في هذه الكلمة من ضرورات "قوة الشخصية"، وحب "رئيسك ومرؤوسك لك"، وفي الحي كان مثالياً، بكل ما في هذه الكلمة من ضرورة "التواضع" "والحياء" "وحب الجار". كان اللواء محمود الروسان كل هذا وأكثر.

من "أبو عصام" تعلمت ضرورة احترام الأخ لأخيه الأكبر، فلم أر في حياتي إنساناً في منصب عالٍ يحترم أخاه الأكبر، كما رأيت احترام "أبو عصام" لأخيه الأكبر "الأستاذ ماجد" يحفظه الله. الأستاذ ماجد "أبو رامي" كان مثل "أبو عصام"، ولكن في الجانب المدني، فقد كان في الحي أستاذاً للتواضع والطيب، وكان في إدارة أكبر مدرسة في مدينة إربد "عندما كان مديراً لثانوية إربد الأولى" أستاذاً في الإدارة وقوة الشخصية وحب الطلبة والمعلمين له. إن الهيبة بهذه العائلة العريقة ليس بجديد، فـ "صبحي باشا الروسان" نموذج ليس ببعيد، ولا سعادة الأخت الفاضلة ناريمان الروسان النائبة الرائعة، وشقيقة أعز أصدقاء الطفولة، رائد وفراس وتميم، ببعيد أيضاً كمثال للسيدة الناجحة. فمؤسسة رعاية شابات إربد مر عليها العديد العديد من الأسماء وسيمر، ولكن لهذا اليوم يبقى اسم السيدة سعادة الأستاذة ناريمان الاسم التاريخي المخلد الباقي المرادف لاسم هذه المؤسسة عندما تذكر، ومن الصعب أن أنسى الجار العزيز تركي الروسان "أبو عدنان" الذي خلف خيرة الرجال، والزميل الحبيب الصديق الأخ الأستاذ الدكتور محمد عبدالمجيد فندي الروسان، الذي صادقته ونحن في المدرسة، وكان وما زال رمزاً للعلم والخلق والذكاء.

مرت السنين وعاد "لساني وأنفك" وعدت قادراً على قول "العم أبو عصام"، ولكن وللأمانة أخذ مني هذا سنين عدداً. وعدنا نسهر كالعادة أمام بيوتنا، ويجتمع في الجلسة خيرة الرجال "الأستاذ ماجد" وأبو عصام، والمثقف الدكتور أحمد أبو الرب وغيرهم العديد. في هذه الجلسة كان يجالسنا في بعض الأحايين "أحمد الروسان، نسيب "أبو عصام". كان الأخ الكبير أحمد، في ذلك الوقت "كابتن النادي الفيصلي العريق"، وكان في الوقت نفسه "كابتن المنتخب الوطني لكرة القدم الحبيب". وكما كان أبو عصام والأستاذ ماجد مدرسة في التواضع كان الأخ أحمد، فلا أتذكر أنه تحدث يوماً عن بطولاته. لذلك لطالما جلست وفكرت أي سحر تواضعي هذا؟ كيف يستطيع أن يكون المرء متواضعاً طبيعياً وأدوات "الغرور" كلها بيده؟ علمتني الأيام بعدئذ أن أفضل وسيلة لطمس الغرور وبث روح التواضع في داخلنا، لا يكون إلا عندما يكون هناك أسباب تستطيع أن تشعرنا بالنجاح والتفوق والتميز، ويراها الآخر فينا فعلياً وليس وهماً، وتكون عندئذ، هذه الأسباب هي نفسها الأدوات التي تعمل بداخلنا لتبقينا على تواضعنا لله سبحانه العظيم. لذلك حيثما كان هناك نجاح حقيقي، هنالك تواضع حقيقي، ذلك أن وسيلة صفات النجاح الحقيقي بسهمين، سهم يمضي بنا للأمام لنبني نجاحاً على نجاح، وسهم يعمل بداخلنا لتذكيرنا كل وقت بأنه "ما زال المرء عالماً حتى يقول قد علمت، فقد جهل" كما يقول رسولنا العظيم، عليه الصلاة والسلام.

 

كنت يا عمي "أبو عصام" في المعسكر بالنسبة لي "محمود بك" بحكم القانون" والنظام والتنظيم، ولكنني في هذه الأيام أقول لك بكل خياري: أنت يا عزيزي أخي الكبير؛ محمود بك الأخلاق، ومحمود بك الطيب، ومحمود بك محبتي ومعزتي، واحزني على فراقك يا أيها الجار الحبيب والغالي والعزيز! أنت بالنسبة لي ستبقى مهما مرت الأيام "محمود باشا التواضع وحسن الخلق". لا يعلم عصام، الذي يخاطبني وإخوته وأخواته جميعاً "بخالو محمود" فوالدتهم أختي كما تربينا"، بأنني وأنا أجلس وأحدثه وأدقق في وجهه، أحاول أن أجتر من وجهه الطيب صورة عمي "أبو عصام"، الذي أحبه من أعماق أعماق قلبي بكل وضوح.

فعلى روحك الطاهرة تحية سلام لا تطرحها يدي التي لطالما طرحتها لك بذلك المعسكر الجميل، ويتبعها كلمة "محمود بك"، وإنما يطرحها الآن كل قلبي ويتبعها أيها العم العزيز أبو عصام. أود أن أقول لك: إن عزائي في فراقك هو أنها سنة الحياة، وأن عزائي الآخر هو أنك تركت في بيتك خيرة الرجال "عصام ومعتصم وعدي وأحمد"، حفظهم الله.

حفظ الله وطني الأردن، وكثر في ربوعه أناساً مخلصين "كمحمود باشا الروسان" وأبقى الوطن في أمن وأمان في ظل جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المفدى.

El_salman@hotmail.com

 

 

 


تابعنا على تطبيق نبض
التعليقات

تنويه

 • تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ "وطنا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.

1 - Falasteen انا لله وانا اليه راجعون .
اتمنى من الله ان يطيل في عمركم وان لا يقف قلم سيادتكم عن الكتابة لانك درس واستاذ بالنسبة لي .
كل الاحترام
2 - زياد محمد البواعنه رحمه الله رجل الرجال ....زعيم القاده ....مرفوع الهامه ...ذو نسب رفيع.... امراء زمانه.......نخوه
3 - زياد محمد البواعنه رحمه الله رجل الرجال ....زعيم القاده ....مرفوع الهامه ...ذو نسب رفيع.... امراء زمانه.......نخوه
4 - لواء متقاعد بسام بركات فريحات الباشا محمود عارف الروسان ابوعصام رجل وقور، شهم، متواضع متخلق وصادق، إنسان «إنسان», إداري صارم وفذ, لا أقول هذا من باب المجاملة، بل هي الحقيقة والشهادة التي أعطاها فيه كل من التقى به، حقاً هناك بعض الأشخاص يفرضون عليك احترامهم فلا تجد حرجاً في أن تقول فيهم كلمة حق.. ووقفة إنصاف يستحقونها.

إذا ألا تستحق هذه الشخصية الوطنية الفذة الإشادة والشكر لما قدمه ويقدمه للوطن ؛ لا اعتقد أنها مغالاة لأن القاعدة الشرعية تقول من لا يشكر الناس لا يشكر الله ’ هو شخصية قيادية فذة واعية مفعمة بالإنسانية والنبل و يملك فكرا عاليا، رجل نزيه ويعامل الناس كلها سواسية ولا توجد في قلبه العنصرية والحقد الطبقي ’ انه يعيد إلينا الأمل بأن نشاهد وجوه خدمت مصالح الوطن وساهمت في نهضة المجتمع الاردني في محيط من الفساد والفشل والمحسوبية على مختلف الأصعدة.
كل الشكر والتقدير دكتور محمود السلمان على أنصاف هذا القائد بهذة المقالة الرائعة
5 - عيسى محارب العجارمة مقال رائع وصادق رحمة الله على الباشا محمود الروسان وشكرا لوطنا نيوز هذا الطرح المميز لقامات وطنية خالدة ونتمنى على الاخ الكاتب ان يتحفنا بالمزيد من هذه الكتابات الراقية .فالكاتب الحق لا يفرحه شي اكثر من رؤية ابداع حقيقي لكل زميل بحرفة الكتابة اجمل وارقى مهنة بالتاريخ.
6 - عيسى محارب العجارمة مقال رائع وصادق رحمة الله على الباشا محمود الروسان وشكرا لوطنا نيوز هذا الطرح المميز لقامات وطنية خالدة ونتمنى على الاخ الكاتب ان يتحفنا بالمزيد من هذه الكتابات الراقية .فالكاتب الحق لا يفرحه شي اكثر من رؤية ابداع حقيقي لكل زميل بحرفة الكتابة اجمل وارقى مهنة بالتاريخ.
7 - عدي محمود الروسان والدي الغالي كنت لنا الأمثل في كل شي فقدانك في الدنيا ولكن ذكراك ما زالت عالقة لدينا في كل مكان رحمك الله رحمة واسعة وادخالك الله فسيح جناته.كما اتقدم بالشكر والتقدير والاحترام لخالي الأستاذ الدكتور محمود السلمان والذي اتشرف بان أطلق عليه لقب خالي منذ الصغر شكراً لك يا خالي العزيز من كل قلبي.
8 - زياد محمد البواعنه في قبرك لك مهابه ...الرجال الرجال ....لا تاخذه بكلمة الحق لومة لائم..اذانه تسمعك وجاوبه يسمعك وعقله واسع ومنزله واسع لا يكل ولا يمل بوطنيته رحمك الله التقيتك عدة مرات برهة من الزمن لاكنها كانت بحجم الوطن
اضافة تعليق
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق