وطنا نيوز -صعاليك الشعر- الأستاذ الشاعر حيدر محمود
اليوم :
Email: watananews@gmail.com
صعاليك الشعر- الأستاذ الشاعر حيدر محمود
التاريخ : 11-06-2019 11:09:45 المشاهدات: 13015

صعاليك الشعر- الأستاذ الشاعر حيدر محمود
بقلم الدكتور محمود السلمان

يا أيها الشعرُ الذي لُقّبت حيدراً
قل لهم إنك لو لم تكن بيت شعر لما غني شعرك
أنت أجمل باقة ورد نثرها الشعر بسماء عمان
لأنك شعر وأبيات شعر ما زال نهر شعرك يتدفق إلى اليوم
وكل يوم تزداد قيمة عمرك وشعرك وحسّك والحاجة إليك تتعاظم
فلحديثك رونق خاص لأنه من الشعر
ولشعرك طعم خاص لأنه من فم شاعر وقلب شاعر وسيف شاعر
أنت سيف ماضٍ يكتب. وكل من حاول مسّك والاقتراب منك عرف من تكون
أنت صعلوك شعر ما زال يعيش ويسير في شوارع عمان!
تركت جمعك من الصعاليك هناك قبل مئات السنين، واختبأت فأوقفت عمرك لتعيش معنا في هذا الزمان؛ لأنّ العمر قصير. واذا ما استمررت به من تلك الأيام لكان نفد وانقضى، فأوقفته وجمدته واختبأت إلى أن ظهرت في زمان قلّ فيه الصعاليك. فكنت نادرا، وازدادت قيمتك بندرتك يا أيها الحيدر، الذي اسمه من اسم قريب ملتصق بزمن الصعاليك، اشتق واخذ انفاسه الطاهرة، التي هي أقرب ما تكون من زمن كان كل فرد فيه شاعر. فاخترت ان تختبئ لتزيد قيمتك في زمن جفت فيه ينابيع الشعر. وها أنت تظهر في آخر الزمان الذي به الآن نعيش. ولدت هناك في البيداء وبين النخيل وتحت وقع صليل سيوف ما عرفت قطُّ أغمادها. وتدحرجت تحت الغيب مئات السنين، وأنت نائم، ولكنك مستيقظ حيّ وترفض أن تفتح عيونك إلا عندما شعرت أن هناك حاجة في أي زمان تمرّ به إلى صعلوك يحيي العربية وطعم السيف الحقيقي، بعيدا عن جدران البيوت. واستيقظت بيننا في زمن الحر من الشعر. ابتسمت وقلت حان وقت الوقوف. لم تجد الصحراء ولا البيداء ولا عتمة الليل الذي به كنت تلتقي فيه أجدادي الشعراء، على وقع لهب نار مع وجوه قرأنا لها ولم نرها. فكنت أول الوجوه التي رأينا، قبل أن نقرأ لها. وقفت في قلعة عمان، سرت من هناك، مررت بالجبال والوديان وكنت طفلا، ورجعت لمنتصف الطريق عندما كنت طفلاً واشتد عودك الصعلوكي هنا في هذه الرحاب، فنطقت بأجمل الاشعار التي بقيت من بقايا صعاليك سمعنا بهم ولم ندركهم إلا فيك، ورأيناك أنت فرأيناهم، أيها السيف الناعم الصادق الجميل الذي يعرف متى وأين يثور! وفي لحظات يهدأ فيعود شاعراً، وفي برهة أخرى يثور فيري من أساء قراءته ورؤية التاريخ كيف يكون الصعلوك عندما يثور، كيف يتحدث، وكيف يرفض، وكيف يغضب ولا ينظر خلفه، وكيف في لحظات يشهر الصعلوك سيف كلامه ومنطقه ورفضه أن يهون، فيصعد الدرج ويفتح الباب ويصيح لماذا؟ حيث تكون مثل هكذا كلمة توازي جزّ عنق أحدهم في أي من حروب الصعاليك الذين كانوا بلا قانون. وفي زمن القانون تجزّ الرقاب بكلمة وموقف، فيعز نظيرها وتصبح الحناجر يبابا، إلا حنجرة الصعلوك الأخير؛ ابن عمي الذي كان هناك وكنت هنا انتظره لأضمه لعشيرتي ويصبح صعلوكا بيننا.
يا أيّها الشيء الجميل الذي لا أملّه ولا يُملّ حديثه، لأن صوته يأتي من هناك،من نهر بعيد، سمعنا به ولم نراه والآن نراه فقط للحظات يمن علينا بها هذا الذي يعيش بيننا، وبلحظات يتحول لشيء من التاريخ نقرأه وننسى من هو فنحبه كما هو ولا نملك إلا حبه.
وفي حياتنا العادية تعود الأشياء كما هي، ويحاول البعض التطاول على عامود صنع هناك من مواد لا نعرفها لأنها بعيدة، ولكنها تعرف النخل جيداً ورمل الصحراء. وتضيء المكان بشيء اسمه شعر، وتجعلنا ننحني حباً وإعجابا بشيء اسمه صعلكة آخر الزمان. وجبال عليها دحنون لم يعرفها الصعاليك، ولكنك عرفتها أنت. فكنت الصعلوك الوحيد الذي رآها وأمطرها حبا وتقربا. وُلدت في صحراء بعيدة، ومررت بكل البوادي وأنت لست حيا ولست ميتا، بل شيء صامت ينبض، فلم يعي من كانوا من حولك يفترشون البر بأنك تخطط لبقاء يوصلك لشيء لا تعرف عنه شيء، ولكنه سيأتي بعد ألف سنة. هي صعلكة تتجاوز كل الصعاليك، وعندما مضت وذهب الجميع، فتحت عيونك العربية، وبدأت تتغزل بأشياء لم يرها جمعك الصعلوكي، فتجاوزت كلماتك حدود الخمر لتصل إلى البراري التي كانت شيئا لا يعرف الكلام الجميل! فجئت تهجو وتمتدح وتصف وتقول بلسان قومك الصعلوكي وبلغتهم التي اندثرت ولم يبق متحدث أصيل بها إلا أنت فاسمعتنا كلمات لم نرَ مثيلا لها إلا في الكتب. وأصبحت في بساتين الأردن لسان قومك الذي لا يمكن أن يجاريه إلا من ولد بينهم وتحدث بلغتهم.
أيها الصعلوك الذي كان في يوم من الأيام متعلقا بأطراف قبائلنا البائدة ، ها أنت تتشبث من جديد بأطراف قبائل عربية جديدة، تجعلك نصفين، نصف منهم من هناك، ونصف منا تتحدث أحيانا بلساننا عنوة ومجاملة وحباً، ولكن ما إن يحلّ الليل تعتلي خصائل قومك وتستلّ قلمك، وتضع جانبا آخر سيف حقيقي قمعت به شخصا من قوم جرير واستللت سيف قلمك من جديد فكان بيت شعر يرافقك حيثما تكون، وأصبحت قادرا أن يرى الجمع بوجهك الطيب القوي الصادق الشعري، أشعار كل الأقوام التي عرفت حنظلة القديم يا أجمل شجرة في أردننا الحبيب، يا أيها القريب الذي كنت بعيدا وأصبحت في آخر الزمان أقرب قريب.
يا أيتها اليد التي انطلقت من هناك ولامست دحنون البلقاء والكرك وعمان، وسكنت في مزهرية جميلة باقة ورد اسمه دحنون لم يشتمه الصعاليك، أخذتها من جبال الأردن وبواديه ليبقى الأردن حاضرا في عينيك وتبقى مقلتيك حارسا يقظا جاهز لأطلاق أشعار الحب الصادق عندما يغيب النهار ويسدل الليل بيوتنا، وتعود لجلدك صعلوكا جميلا وإن كانت ثيابه غير تلك التي ارتداها أقرانه! وحتى أنت عندما كنت بينهم، ولكنك في داخلك أنت ذاك الذي غادر الصحراء وسار ليلا نائما لألف سنة، ليعيش حبا جديدا فيه قلت شيئا عن الزيتون الذي لم يروه، وشيء عن الدحنون، وشيء آخر عن جدائل مدينة عتيقة جميلة اسمها عمان، وعن جدائلها التي لا تختلف كثيرا عن جدائل ليلى وعبلة وعزة، ولكنها بقيت تنتظرك أنت لتقول شيئا في جدائلها الجميلة، التي لم ترخها إلا عندما كنت أنت مستيقظ في ليلة صعلوكية، فاستللت سيف قلمك وقلت شيئا بطعم ما كان يقوله مالك بالخمر، وقلته أنت في جدائل عمان، فكان كلاما عفيفا وطنيا بمعاني جديدة لم يعرفها الصعاليك، ولكنها شيء جميل جديد بطعم صعلوكي، واخترت الليل الذي هو ليل كل الصعاليك لتمتدح جدائلها بعد أن نام القوم الجدد، وأرخت عمان جدائلها لتراها أنت وتقول شعرك وتنام، فيستيقظ القوم على كلام جميل يزيّن عمان، جاء من بعيد بفم جديد ولكنه خلق منذ زمان، واسمعت به "نجاة" كلماتك حتى من كان لا يقرأ، وأصبح الأعمى الذي تحدث به المتنبي حقيقة ما بعدها حقيقة. فكنت "كالمتنبي" الذي اسمعت كلماته من به صمم.


تابعنا على تطبيق نبض
التعليقات

تنويه

 • تتم مراجعة جميع التعليقات، وتنشر عند الموافقة عليها فقط.
• تحتفظ "وطنا نيوز" بحق حذف أي تعليق، ساعة تشاء، دون ذكر الأسباب.
• لن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة، أو خروجا عن الموضوع محل التعليق، او يشير ـ تصريحا أو تلويحا ـ إلى أسماء بعينها، او يتعرض لإثارة النعرات الطائفية أوالمذهبية او العرقية.
• التعليقات سفيرة مرسليها، وتعبر ـ ضرورة ـ عنهم وحدهم ليس غير، فكن خير مرسل، نكن خير ناشر.

1 - رومية السلمان نعم صحيح كل ما قلته ومدحته في شاعر عظيم مثله قل الزمان ان يلد مثله
وانت بدورك عظيم ايضا لانك تعرف قيمة العظماء امثالك
2 - ام حيفا كما تنتظر عمان لتقول شيئا نحن ننتظرك لنقرأ اجمل الكلام عن اجمل المدن.
اذكر مروري بالدوار السابع يوم زفافي بجانب اشعار كاتبنا المحبوب حيدر محمود عن بيادر وادي السير وجمالها .
ومروري بكلماته كل يوم خميس قبل ذهابي لبيتي عند عودتي من جامعتي الحبيبة آل البيت .كنت احسها مسكن قوي لالم الفراق عن مدني امي عمان او رام الله و اربد و حيفا.
كما كتابات حضرتكم تخليدا وتاكيدا على عظمة كاتبنا حيدر محمود نحن طلابك نخلدك في ذكرانا استاذ متقن لفن التدريس و التربية و العطاء .
ادامك الله ذخرا لوطننا .
لا طعم ولا رائحة لأي مدينة لا تكونون بها اي كانت.
اضافة تعليق
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق